ابن كثير

296

البداية والنهاية

المحفة وأظهروا عافيته وتباشروا بذلك . وهذه جرأة عظيمة ، وإقدام هائل . وفيها حج السلطان الملك الظاهر وفي صحبته الأمير بدر الدين الخزندار ، وقاضي القضاة صدر الدين سليمان الحنفي ، وفخر الدين بن لقمان ، وتاج الدين بن الأثير ونحو من ثلاثمائة مملوك ، وأجناد من الخلقة المنصورة ، فسار على طريق الكرك ونظر في أحوالها ثم منها إلى المدينة النبوية ، فأحسن إلى أهلها ونظر في أحوالها ، ثم منها إلى مكة فتصدق على المجاورين ثم وقف بعرفة وطاف طواف الإفاضة وفتحت له الكعبة فغسلها بماء الورد وطيبها بيده ، ثم وقف بباب الكعبة فتناول أيدي الناس ليدخلوا الكعبة وهو بينهم ، ثم رجع فرمى الجمرات ثم تعجل النفر ( 1 ) فعاد على المدينة النبوية فزار القبر الشريف مرة ثانية على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وعلى آله وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام أجمعين إلى يوم الدين . ثم سار إلى الكرك فدخلها في التاسع والعشرين ( 2 ) من ذي الحجة ، وأرسل البشير إلى دمشق بقدومه سالما ، فخرج الأمير جمال الدين آقوش النجيبي نائبها ليتلقى البشير في ثاني المحرم ، فإذا هو السلطان نفسه يسير في الميدان الأخضر ، وقد سبق الجميع ، فتعجب الناس من سرعة سيره وصبره وجلده ، ثم ساق من فوره حتى دخل حلب في سادس المحرم ليتفقد أحوالها ، ثم عاد إلى حماه ثم رجع إلى دمشق ثم سار إلى مصر فدخلها يوم الثلاثاء ثالث صفر من السنة المقبلة رحمه الله . وفي أواخر ذي الحجة هبت ريح شديدة أغرقت مائتي مركب في النيل ، وهلك فيها خلق كثير ، ووقع هناك مطر شديد جدا ، وأصاب الشام من ذلك صاعقة أهلكت الثمار ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفيها أوقع الله تعالى الخلف بين التتار من أصحاب إبغا وأصحاب ابن منكوتمر ابن عمه وتفرقوا واشتغلوا ببعضهم بعضا ، ولله الحمد . وفيها خرج أهل حران منها وقدموا الشام ، وكان فيهم شيخنا العلامة أبو العباس أحمد بن تيمية صحبة أبيه وعمره ست سنين ، وأخوه زين الدين عبد الرحمن وشرف الدين عبد الله ، وهما أصغر منه . وممن توفي فيها من الأعيان : الأمير عز الدين أيدمر بن عبد الله الحلبي الصالحي ، كان من أكابر الامراء وأحظاهم عند الملوك ، ثم عند الملك الظاهر ، كان يستنيبه إذا غاب ، فلما كانت هذه السنة أخذه معه وكانت وفاته بقلعة دمشق ، ودفن بتربته

--> ( 1 ) خرج من مكة في ثالث عشر ذي الحجة ووصل المدينة في العشرين من ذي الحجة وخرج باكر النهار الثاني ( الروض الزاهر ص 357 ) . ( 2 ) في الروض الزاهر : سلخ ذي الحجة ( تاريخ أبي الفداء ) .